اسماعيل بن محمد القونوي
141
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حراما كله لما صدر عن إبراهيم عليه السّلام الكذب لكنه صدر عنه لقوله عليه السّلام إن إبراهيم عليه السّلام « 1 » الخ فلا يكون حراما كله فأجاب بأن ما صدر منه لا نسلم كونه كذبا بل المراد التعريض وهو أن يشار في الكلام إلى جانب والغرض منه الجانب الآخر ولما كاد أن يعترض عليه بأنه لو كان التعريض لما أطلق عليه الرسول عليه السّلام الكذب أجاب بأنه لما شابه الكذب في الصورة سمي به استعارة . قوله : ( كذب ثلث كذبات فالمراد التعريض ) وهي قوله في الكوكب هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] وجه التعريض في الأول هو أن قوله : هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه وثانيها قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] وثالثها قوله لملك الشام حين سأل عن سارة هذه أختي وقيل الكذبات الثلاث قوله في ثلاث مواضع هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] وتقرير الجواب أنها وإن كانت في صورة الكذب لكنها ليست كذبات في الحقيقة وإنما هي تعاريض فسمي التعريض باسم الكذب مجازا مستعارا من حيث إن علاقته بين المعنى الحقيقي والمجازي التشبيه وأما قوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] فلأنه أوهمهم بأمارة على النجوم أنه سيسقم ليتركوه عن الذهاب معهم إلى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر أصنامهم أو أنه سيسقم لما يجد من الغيظ والحنق باتخاذهم النجوم آلهة وأما قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] فلأن هذا الكلام على الفرض والتقدير على سبيل الإلزام كأنه قال لو كان الها معبودا وجب أن يكون قادرا على أن يفعله فإذا لم يكن قادرا عليه يكون عاجزا والعاجز بمعزل عن الألوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم في العكوف عليه وأما قوله ( هذه أختي ) فلأن المراد منه الأخوة في الدين يريد أنها أختي في الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لأن من دين ذلك الملك الذي يتدين به في الأحكام المتعلقة بالسياسة أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج لأن من دينه أن المرأة إذا اختارت الزوج فالسلطان أحق بها من زوجها وأما اللاتي لا أزواج لهن فلا سبيل له عليهن إلا إذا رضين وأما قوله : هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] فلأنه من باب الاستدراج وهو إرخاء العنان مع الخصم في المجاورات وهو نوع من التعريض لأن الغرض منه حكاية قولهم والتعريض مشتق من العرض بالضم بمعنى الجانب وفي مقامات التعريض المصطلح عليه إمالة الكلام إلى جانب آخر غير الجانب المتبادر من حاق الكلام وأقول في تسمية مثل هذه الكذبات باسم التعريض نظر لأن قوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] مجاز مرسل كلفظ الخمر المستعمل في العصير باعتبار أن مآل العصير إلى الخمر عادة والتعريض من أقسام الكناية والمجاز ينافي الكناية فإن المجاز ينافي إرادة الحقيقة والكناية لا تنافيها وقوله ( هذه أختي ) ايهام وتشبيه بليغ مثل زيد أسد فالوجه أن يراد بالتعريض هنا التعريض اللغوي معناه بالفارسية توشيدة كفتن وهو معنى عام متناول للمجاز والإيهام والتشبيه البليغ .
--> ( 1 ) إشارة إلى ما روي في الصحيحين وغيرهما وروى الترمذي في حديث الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه السّلام فيقولون له اشفع لنا فيقول ليست لنا إني كذبت ثلث كذبات ثم قال عليه السّلام في رواية جادل بها عن دين اللّه تعالى .